محمد بن جرير الطبري
50
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يعني تعالى ذكره يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ . الآية . ومعنى قوله : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أيحب أحدكم أن تكون له جنة يعني بستانا من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأَنهار يعني من تحت الجنة وله فيها من كل الثمرات . والهاء في قوله : لَهُ عائدة على أحد ، والهاء والأَلف في : فِيها على الجنة ، وَأَصابَهُ يعني وأصاب أحدكم الكبر ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ . وإنما جعل جل ثناؤه البستان من النخيل والأَعناب ، الذي قال جل ثناؤه لعباده المؤمنين : أيود أحدكم أن تكون له مثلا لنفقة المنافق التي ينفقها رياء الناس ، لا ابتغاء مرضاة الله ، فالناس بما يظهر لهم من صدقته ، وإعطائه لما يعطى وعمله الظاهر ، يثنون عليه ويحمدونه بعمله ذلك أيام حياته في حسنه كحسن البستان وهي الجنة التي ضربها الله عز وجل لعمله مثلا من نخيل وأعناب ، له فيها من كل الثمرات ، لأَن عمله ذلك الذي يعمله في الظاهر في الدنيا ، له فيه من كل خير من عاجل الدنيا ، يدفع به عن نفسه ودمه وماله وذريته ، ويكتسب به المحمدة وحسن الثناء عند الناس ، ويأخذ به سهمه من المغنم مع أشياء كثيرة يكثر إحصاؤها ، فله في ذلك من كل خير في الدنيا ، كما وصف جل ثناؤه الجنة التي وصف مثلا بعمله ، بأن فيها من كل الثمرات ، ثم قال جل ثناؤه : وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ يعني أن صاحب الجنة أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء صغار أطفال ، فَأَصابَها يعني فأصاب الجنة إعصار فيه نار ، فَاحْتَرَقَتْ يعني بذلك أن جنته تلك أحرقتها الريح التي فيها النار في حال حاجته إليها ، وضرورته إلى ثمرتها بكبره وضعفه عن عمارتها ، وفي حال صغر ولده وعجزه عن إحيائها والقيام عليها ، فبقي لا شيء له أحوج ما كان إلى جنته وثمارها بالآفة التي أصابتها من الإِعصار الذي فيه النار . يقول : فكذلك المنفق ماله رياء الناس ، أطفأ الله نوره ، وأذهب بهاء عمله ، وأحبط أجره حتى لقيه ، وعاد إليه أحوج ما كان إلى عمله ، حين لا مستعتب له ولا إقالة من ذنوبه ولا توبة ، واضمحل عمله كما احترقت الجنة التي وصف جل ثناؤه صفتها عند كبر صاحبها وطفولة ذريه أحوج ما كان إليها فبطلت منافعها عنه . وهذا المثل الذي ضربه الله للمنفقين أموالهم رياء الناس في هذه الآية نظير المثل الآخر الذي ضربه لهم بقوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا . وقد تنازع أهل التأويل في تأويل هذه الآية ، إلا أن معاني قولهم في ذلك وإن اختلفت تصاريفهم فيها عائدة إلى المعنى الذي قلنا في ذلك ، وأحسنهم إبانة لمعناها وأقربهم إلى الصواب قولا فيها السدي . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ هذا مثل آخر لنفقة الرياء ، أنه ينفق ماله يرائي الناس به ، فيذهب ماله منه وهو يرائي ، فلا يأجره الله فيه ، فإذا كان يوم القيامة واحتاج إلى نفقته ، وجدها قد أحرقها الرياء ، فذهبت كما أنفق هذا الرجل على جنته ، حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته جاءت ريح فيها سموم فأحرقت جنته ، فلم يجد منها شيئا ، فكذلك المنفق رياء . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ كمثل المفرط في طاعة الله حتى يموت ، قال يقول : أيود أحدكم أن يكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله ، كمثل هذا الذي له جنات تجري من تحتها الأَنهار ، له فيها من كل الثمرات ، وأصابه الكبر ، وله ذرية ضعفاء ، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ، فمثله